طاح الميثاق، علقو المعلم

كتبهاعبدالهادي الريفي ، في 18 أكتوبر 2008 الساعة: 21:15 م

طاح الميثاق، علقو المعلم

 807rub

دخلت سنة الألفين على قطاع التعليم بميثاق قيل أنذاك أنه يجسد التوافق بين كل مكونات و ممثلي المجتمع، في حين كانت أصوات تنفي عنه صفة التوافق من بينها أصوات رجال التعليم خصوصا العاملين بالحجرات الدراسية. حيث كان دائما المطلب أن يؤخذ رأي رجل التعليم على الأقل في تشخيص مكامن الخلل في المنظومة التعليمية و يترك القرار لمن يتحمل المسؤولية السياسية و التاريخية في ضياع أجيال من أبناء هذا الشعب. لكن العكس هو الحاصل، رجل التعليم مُغيب أثناء الحديث عن الإصلاحات لكنه يُستحضر عند كل كبوة إصلاح كمشجب يعلق عليه الفشل و هذا ما حدث بالنسبة لما سمي ميثاق وطني للتربية و التكوين.

قد يكون كلامي مردود عليه بالقول أن النقابات شاركت في صياغة الميثاق، و هذا كلام مردود عليه أيضا بأن من يشارك في مثل هكذا قرارات من نقابيين لا يمثلون رجال التعليم بل هم طغمة بيروقراطية استولت على الأجهزة المركزية للنقابات  دون أن أشكك أبدا في نزاهة و نضالية فروع كثيرة تنتمي لهذه النقابات لكن يبدو أن صوتها لا يتجاوز الأقاليم العاملة بها.

 هذا كله دون الرجوع لمن صاغ حقيقة الميثاق،لأن  لجانهم و رحلاتهم واجتماعاتهم لم  تكن إلا شطحات شكلية. و للتذكير هذه من بين أكبر معضلات المغرب اليوم: مسؤول شكلي صوري في الواجهة و المسؤول الحقيقة يأمر من خلف الستار.

جاءت سنة الألفين و ثمانية فأصطدم الميثاق بتقارير تصنف التعليم بالبلاد في مواقع متأخرة فتحرك المجلس الأعلى للتعليم و رسمت الحكومة خطة استعجالية لتسريع وتيرة الإصلاح تمتد حتى سنة 2012. لاحظوا لقد تم القفز على 2010 سنة انتهاء عشرية التعليم، أي عوض تقديم حصيلة العشرية و الإعتراف بفشل الميثاق هرب الكل إلى الأمام بعد أن صلبوا رجل التعليم مجددا أمام الرأي العام باعتباره المسؤول الأول و الأخير عن أزمة التعليم.

 في الحقيقة مأساة رجل التعليم مأساتين: واحدة يعيشها يوميا أثناء العمل و أخرى عندما تقدمه كل التقارير قربانا للفشل.

في العالم الحضري، يشتكي رجال التعليم يوميا من واقع مرير و معاناة مع الاكتضاض و السبورات المثقوبة، مع انعدام الوسائل التعليمية عدا المسطرة الصفراء و المثلث و البركار.

أما في العالم القروي فأسكتفي بسرد حكايات مختصرة تلخص وضع رجل التعليم المسؤول الوحيدعن أزمة التعليم و للتذكير فكلها حدثت أثناء عشرية التعليم و في عز إصلاحات ميثاق مزيان بلفقيه.

 

1.   في أحد أيام 2004 شبهت نفسي بأحد عطشى الصومال، حيث اضطررنا لننزل إلى اسفل مطفية ) حاوية ماء تجمع مياه الأمطار( لنجلب مياه و حتى لا تتعكر كان نزولي ضروريا لأعزل الماء عن التراب. بالمختصر المفيد كنا ماء عكرا لأيام عدة.  

 

2.   ماي المنصرم، جاءنا المدير بمعية مساعد من نيابة التعليم لمناقشة خلاصات تقرير المجلس الأعلى للتعليم. وجدوا ثلاثة أساتذة يملكون 10 لترات من الماء، أما الحالة النفسية فحدث و لا حرج لأننا عشنا حوالي 15 نطالب بقطرة من ماء دون جدوى ) كلشي كيقول كتب، تعيا متكتب مكاين لي جاوبك(. وصل بي الأمر أن خاطبت المدير منفعلا و متدمرا اش من تقرير باغي ناقش معاك، التقرير كنعيشو يوميا. واش واحد خنز من قلة الماء و انت جايب ليه الكلام الغليظ و البلا البلا، و لا نعمرو الأوراق و الواقع ديما هو هو 

 

3.   في وحدة مدرسية قريبة يعيش مدرس لوحده، يسكن نصف الحجرة الدراسية . قضى بها 4 سنوات دون أن يزوره لا مدير أو مفتش. يقول لنا دائما كيجيب ليا الله بعض المرات بحال إلى مخدامش كاع مع الدولة و لا مخدامش كاع أصبح المدرس في مثل هذه الظروف يبحث عن دعم معنوي لا يجده.

 

4.   في مجموعة مدرسية قريبة، احتاج مدرس لمواد غذائية بعد نفاذها. فاضطر إلى الإتجاه نحو اقرب مدشر يبعد حوالي 20 كلم. انطلق على الساعة الخامسة و في طريق الرجوع حل الظلام ، تاه المعلم في الخلاء و كان أحسن حل هو نوم في الهواء الطلق.

 

5.   أثناء تقديم دروس ما بعد الزوال، طلبت مني تلميذة الخروج إلى المرحاض)هو طبعا الهواء الطلق مُعِرضة جسدها للبرد( لكنها رجعت بسرعة شديدة. من شدة استغرابي سألتها عن سبب عودتها بهذه السرعة فردت أستاذ واحد الحنش ) ثعبان( جاي حدا الحيط خرجت مستطلعا فوجدته اقترب من القسم. ناديت على زميلي لمساعدتي في قتله.

      طبعا لا أقصد هنا الخوف من الثعابين، مقصودي  أن أقرب مركز صحي يبعد ب65كلم كلها طريق غير معبدة.

 

حكايات أخرى كثيرة قد تسنح فرص أخرى لسردها، المهم هذا هو رجل التعليم الذي أصر مزيان بلفقيه و عرابي الميثاق تقديمه للرأي العام على أنه المسؤول عن تردي أوضاع التعليم، و لابد أن أشير هنا أني لا أغطي بكلامي هذا عن من بلغ بهم التدمر ترك الأقسام فارغة و توجيه النقمة نحو أطفال لا ذنب لهم فيما يقع. كما أشير أن الحكايات التي سردتها من وحي الحقيقة و ليس الخيال و حدثت في عز الحديث عن الشراكة مع السلطات المحلية وا لجهات المنتخبة الغائبة تماما هي أيضا عن تحمل مسؤوليتها.

أريد فقط أن أختم أن أزمة التعليم في البلاد بنيوية لايمكن بتاتا فصلها عن الأزمة الإقتصادية و الاجتماعية التي تعيشها البلاد.

من يتحمل حقيقة الوضع المزري الذي وصلناه هو من يضع الخيارات الكبرى و يتجه بالتعليم نحو الخوصصة و بالتالي تملص الدولة من مسؤوليتها نحو أبناء الشعب. هي مسؤولية من يتجه بالبلاد  نحو نظام ليبرالي لا تعني له القطاعات الاجتماعية شيئا.

و الحمد لله الليبرالية طاح ليها السروال من جديد في الأزمة المالية التي يعيشها العالم، و رجعو لتدخل الدولة و التأميم. في حين كان يوصف كل مُتحدث عن التأميم بالخارج عن التاريخ.

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “طاح الميثاق، علقو المعلم”

  1. دعوة لجميع المدونين أعضاء تجمع المدونين المغاربة

    1 - نطالب بإعادة الروح لتجمع المدونين المغاربة كفضاء افتراضي يجمعنا جميعا

    2- نطالب بتشكيل هيئة جديدة تماما غايتها تطوير التجمع وخلق ابداعات لتحفيز التدوين

    3- نطالب باعتبار خطوتنا تنطلق من الصفر الواثق بدل الألف خطوة مرتبكة

    4- كل من وافق على هذه المقترحات يصبح مطالبا بالدفاع عنها

    5- نحن في حل من أي التزام سابق سبب هذا الركود

  2. الأربعاء 29 أكتوبر 2008

    مرور 43 عاما على عملية اختطاف واغتيال

    المهدي بن بركة في باريس

    يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965

    القضية مازالت مثيرة للجدل إلى يومنا هذا من خلال الروايات والشهادات وانعكاسات مسار المغرب السياسي

    لقد منح بن بركة كل ما يملك لهذا الشعب

    كان بن بركة شعلة من النضال

    لماذا اغتيل بن بركة أواخر أكتوبر 1965؟

    كلنا أمل أن تقال الحقيقة ليس فقط في ما وقع للمهدي بن بركة بل لكل أولئك الذين لا يملكون في هذا الوطن قبرا

  3. السلام عليكم ورحمة الله

    قلب الصحافة المغربية النابض ، جريدة المساء في محنة وضيق تضامنوا معها من اجل حرية التعبير وضد كسر الاقلام الحرة ..

    وشكرا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر